القرطبي
79
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأخفش : معاندين مسابقين . الزجاج : أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أن لا بعث ، وظنوا أن الله لا يقدر عليهم ، وقاله قتادة . وكذلك معنى قراءة ابن كثير وأبى عمرو " معجزين " بلا ألف مشددا . ويجوز أن يكون معناه أنهم يعجزون المؤمنين في الايمان بالنبي عليه السلام وبالآيات ، قاله السدى . وقيل : أي ينسبون من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العجز ، كقولهم : جهلته وفسقته . ( أولئك أصحاب الجحيم ) . قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 52 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : " تمنى " أي قرأ وتلا . و ( ألقى الشيطان في أمنيته ) أي قراءته وتلاوته . وقد تقدم في البقرة ( 1 ) . قال ابن عطية : وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث " ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد الله ، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس . قال مسلمة : فوجدنا المحدثين ( 2 ) معتصمين بالنبوة - على قراءة ابن عباس - لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات ، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلموا وعصموا فيما نطقوا ، كعمر بن الخطاب في قصة سارية ( 3 ) ، وما تكلم به من البراهين العالية .
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 5 . ( 2 ) المحدثون ( بفتح الدال وتشديدها ) قال ابن الأثير : إنهم الملهمون ، والملهم هم الذي يلقى في نفسه الشئ فيخبر به حدسا وفراسة ، وهو نوع يختص به الله عز وجل من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر ، كأنهم حدثوا بشئ فقالوه . ( 3 ) هو سارية بن زنيم بن عبد الله . وكان من قصته أن عمر رضي الله عنه أمره على جيش وسيره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين ، فوقع في خاطر سيدنا عمر وهو يخطب يوم الجمعة أن الجيش المذكور لاقى العدو وهم في بطن واد وقد هموا بالهزيمة ، وبالقرب منهم جبل ، فقال في أثناء خطبته : يا سارية ، الجبل الجبل ! ورفع صوته ، فألقاه الله في سمع سارية فانحاز بالناس إلى الجبل وقاتلوا العدو من جانب واحد ، ففتح الله عليهم . ( راجع ترجمته في كتب الصحابة ) .